كارل بروكلمان

293

تاريخ الأدب العربي

حتى عفا الخليفة عنه ، وإن لم يجز له أن يغادر الرقة ، وهنا قرأ الشافعي مصنفات محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة ، وأحس في نفسه أنه أعلم منه وأفقه ، ولكنه لم يجرؤ على مخالفة ذلك العالم البعيد الشهرة علانية . ومن ثم عول على الرحيل إلى مصر ، فدخلها ولقى قبولا حسنا من واليها الذي أكرمه ولاطفه لأنه تلميذ لمالك بن أنس ، إلى أن أظهر بعض ما خالف فيه مالكا ، فلما أتم هنا بناء مذهبه وإحكامه رجع إلى العراق سنة 195 ه / 810 م . ولما دخل بغداد ما زال يقعد في حلقة بعد حلقة ويقول لهم قال اللّه وقال رسول اللّه ، وهم يقولون قال أصحابنا ، حتى ما بقي في المسجد حلقة غيره . ولما قدم إلى مصر عبد اللّه بن العباس بن موسى « 1 » ، وكان أبوه والى مصر . صحبه الشافعي فرجع إلى مصر يوم 28 من شوال سنة 198 ه / 21 من يونية 814 م ، ولكن ولى نعمته هذا لم يطل مقامه في مصر إلا بضعة أشهر ، فرحل الشافعي أيضا إلى مكة ، ثم رجع مرة أخرى إلى مصر في أواخر سنة 199 ، أو أوائل سنة 200 ه . وهنا توفى الشافعي في مدينة الفسطاط يوم الجمعة سلخ رجب سنة 204 ه / 20 من يناير 820 م ، ودفن في مقبرة بنى عبد الحكم بسفح المقطم . وقد أسس السلطان صلاح الدين الأيوبي مدرسة على قبر الشافعي ، وبنى الملك الكامل الأيوبي أيضا قبة على هذا القبر لا تزال قائمة إلى أيامنا . ومذهب الشافعي ينحو إلى الجمع والتوفيق بين مذهب أهل الحديث الذي سار عليه مالك ومذهب أهل الرأي الذي أخذ به أبو حنيفة . ويعدّ الشافعي مؤسس علم أصول الفقه ، الذي يرسم المناهج وينظمها لاستخراج الأحكام من أدلتها ، ويحرر طرق الاجتهاد والاستنباط . وأدخل أبو زرعة محمد بن عثمان الدمشقي مذهب الشافعي إلى الشام ، بعد أن كان مذهب الأوزاعي سائدا به من قبل ؛ كما أدخله محمد بن إسماعيل القفال

--> ( 1 ) انظر كتاب القضاة بمصر للكندي ( طبع guest ) 154 ؛ خلافا لياقوت في الإرشاد 6 : 394 .